ما الذي يجمعنا؟ شعور الناجين بالذنب كتجربة إنسانية عالمية

 قامت مجموعة من المعالجين خلال ستينيات القرن الماضي دراسة حالة شعور الناجين بالذنب للمرة الأولى. فقد قاموا بعمل بعض الأبحاث على أشخاص نجوا من الهولوكوست، التي كانت إبادة جماعية لحوالي ست ملايين يهودي أوروبي قام بها الرايخ الألماني الثالث أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد لاحظ المعالجون أنه من بين الأعراض التي ظهرت على الناجين (صور متكررة للموت، والاكتئاب، والقلق المستمر، والخدر العاطفي)، كان أحد الأعراض الشائعة: الشعور بالذنب.

    إن وصف ما شعر به الناجون من الهولوكوست بعد الحرب يمكن العثور عليه بين أعمال آرون هاس، طبيب نفسي أمريكي يهودي، وهو نفسه طفل نجى من الهولوكوست. في مقالته ”شعور الناجين من الهولوكوست بالذنب وأطفالهم”، يمكننا أن نقرأ كيف وصف الناس تجاربهم ومشاعرهم الخاصة، وعن أشخاص يعترفون أنهم يشعرون بأنه لا ينبغي أن يكونوا على قيد الحياة. ويسألون أنفسهم باستمرار : “لماذا أنا؟ لماذا نجوت؟ ماذا أفعل هنا؟ كنت أقل منه، لماذا بقيت على قيد الحياة وليس أخي وأبي؟”

    وهناك تصريحات أطول لأولئك الذين يتساءلون عما كان يمكن أن يفعلوه بشكل مختلف. على سبيل المثال، تخبرنا امرأة تدعى روز عن قصة نقلها هي وأختها الصغرى إلى مخيم اعتقال يدعى أوشفيتز  في عام 1944(وهو أكبر معسكرات الاعتقال والإبادة الألمانية النازية خلال الحرب العالمية الثانية ، حيث قتل فيه أكثر من مليون يهودي). نجت روز ولكن أختها لم تنجو:

لسنين طويلة شعرت بالذنب وأنه ربما يجب أن أعود بالزمن للوراء وأحاول أخذها معي أو أن أبقى معها.  ربما لم أفعل ما هو كافي لنبقى سوياً. ربما كنت أنانية في حماية نفسي. يمكنكي أن تعذري نفسكي وأن تقولي ربما إذا عدت بالزمن إلى الوراء سيكون مصيري كمصيرها. ليس هناك أي منطق في مشاعري.

يستشهد باحث أميركي يدعى لورانس لانغر في كتابه “شهادات الهولوكوست” بقصة أخرى. نجا فيكتور من معسكر الاعتقال وذلك بفضل وظيفته الجيدة والآمنة فيه، وقد اضطر بسبب عمله إلى التخلي عن شقيقه المريض: “تركته هناك ونجوت. إذا نسيت أي شيء، فلن أنسى ذلك أبداً. أحاول تبرير ما فعلته بأعذار عملية مختلفة. هل يمكن لأي شخص أن يفهم ذلك؟ هل يستطيع أحد أن يعرف ألمي وعذابي اللذين لا يفارقاني أبداً؟”

ومع أن ظاهرة شعور الناجين بالذنب  تم دراستها لدى ضحايا الهولوكوست، إلا أنها تجربة إنسانية عالمية. بعد حوالي سبعين سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية ما زلنا نسمع عبارات مشابهة بين لاجئي الحرب الذين يصلون إلى برلين من سورية التي مزقتها الحرب.

يقول محمد ابن ال25 عاما، ومن ضواحي دمشق: “الآن أنا أعلم أنه كان عليّ البقاء. كان عليّ أن أعارض والدي ولا أغادر سورية أبداً. أعلم أنني ربما كنت سأكون ميتاً الآن، وربما قد تمّ تعذيبي مثل فأر في السجن. لكن على الأقل كنت سأكون قد متّ من أجل ما أؤمن به – الحرية والعدالة. كنت قد توفيت كرَجل له قيمة. أنا أعيش الآن ميّتاً من الداخل، كل يوم هو معاناة صراع بين أن أحيا هنا كزومبي (الميّت الحيّ)، أو أعود إلى سورية وأموت بكرامة. أستيقظ كل يوم لأرى وجوه أخي المتوفي وأبناء عمومتي أمامي. أرجو أن يغفروا لي”.

   في محادثة أخرى مع أحمد من حمص، الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، يقول عن العزلة الناجمة عن شعور الناجي بالذنب: “لا أستطيع أبدًا نشر صوري السعيدة على موقع الفيسبوك. وأخشى دائمًا أن يقوم أحد أصدقائي على الفيسبوك بعمل تاغ لي على شيء مضحك. لا أستطيع أن أظهر لإخواني ووالديّ أنني أضحك. قد يظنون أنني نسيت آلامهم. فما لا يمكنك رؤيته في هذه الصور، هو أنني حتى عندما أضحك وأعانق بعض الأصدقاء الجدد، هناك ظلام وفراغ في داخلي.”

إنه كجسدي الذي يشعر كم هو رائع أن  أتناول سندويشة دونر في ساحة هيرمان بلاتز، ولكن داخليا والذي هو أنا، أنا الحقيقي، فهو يتناول في نفس الوقت عشاء مع عائلتي في سوريا وهم خائفين من الموت الذي قد يأتي في أي لحظة.

    وكما أشرنا مسبقاً، إن أي شخص عانى من حدث صادم نتيجة وفاة أشخاص آخرين أو تعرضهم لأذى جسيم يمكن أن يعاني من شعور الناجين بالذنب. ولا ينفرد الناجون من الهولوكوست، ولا محمد أو أحمد في مشاعرهم. الشعور بالذنب المعروف جيدا أيضا للأشخاص الذين نجوا من حوادث السيارات أو حتى لطفل توأم مات شقيقه في الرحم، فهذه التجربة هي تجربة إنسانية عالمية.

Part 1 and part 3 of this series can be found by clicking the highlighted links.

Hania Hakiel is a psychologist and psychotherapist who runs the GSBTB Open Art Shelter. Antonia Stasiuk is an intern at the GSBTB Open Art Shelter and has a Masters in Clinical Psychology, with a second Masters in Enthology and Cultural Anthropology.  This article was first published in a special mental health edition of the Arabic-German newspaper Eed Be Eed, in partnership with Give Something Back to Berlin.

Drawings by Hania Hakiel.